في علم الطب، يقولون إن "الوقاية خير من العلاج". وفي علم الميكانيكا، يفضلون "الصيانة الوقائية" لتجنب الأعطال. أما في ملاعبنا الرياضية، فقد تفتق الذهن الكروي عن مفهوم غير مسبوق في تاريخ الساحرة المستديرة: "التحكيم الوقائي"—الأسلوب الأحدث والأكثر أناقة للتحكم في نتائج المباريات دون الخروج عن النص، أو بالأحرى، مع توفير كافة الضمانات القانونية التي تجعل الانحياز يبدو وكأنه أقصى درجات تطبيق العدالة!
يعود الفضل في تأطير هذه "النظرية" إلى الحكم الدولي السابق، الأستاذ الدكتور عصام عبد الفتاح، رئيس لجنة الحكام الحاصل على دكتوراه متخصصة في التلاعب بنتائج المباريات. ومن باب ربط الأكاديميا بالتطبيق العملي، أُعيد إنتاج المفهوم ليصبح أداة ذكية بامتياز؛ أداة تمكن قاضي الملعب من قيادة المباراة نحو السيناريو المطلوبة نهايته، لكن عبر سلسلة من الصافرات "الوقائية" النظيفة التي لا تترك خلفها أي بصمات جنائية على شاشة الـ VAR.
ولأن النظرية العظيمة تحتاج إلى منصة تليق بها، لم يتأخر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام—بقيادة المهندس خالد عبد العزيز—عن تبنّي الفكرة ورعايتها. بل إن المفهوم جرى تعميمه بثبات على المنصات الإعلامية، لتتحول الشاشات إلى منابر تشرح للجماهير كيف أن التوجيه ليس مجرد خطأ بشري، بل هو "فن إدارة المسابقات".
يقود هذه الحملة الترويجية كتيبة من عمالقة التقديم الرياضي والتوك شو:
- الكابتن أحمد شوبير: بصوته المعتاد في قراءة ما بين السطور وتسويق الرؤى المستقبلية.
- الأستاذ محمد شبانة: بأسلوبه التحليلي الذي يعيد صياغة المشهد الرياضي وفق قواعد اللعبة الجديدة.
- الإعلامي تامر أمين: بخبرته الممتدة في "التوك شو"، ليتولى نقل الفكرة من نطاق الملاعب الضيق إلى أفق الرأي العام الأرحب.
ويرى الداعمون لهذا الطرح—وعلى رأسهم المهندس خالد عبد العزيز—أن "التحكيم الوقائي" ليس مجرد حيلة إدارية، بل هو "طفرة" واكتشاف يحق للقرن الحادي والعشرين أن يفخر به، باعتباره الحل الناجع لضبط إيقاع البطولة وضمان سير المسابقات بلا مفاجآت "غير محسوبة".
تتلخص فلسفة "التحكيم الوقائي" في تعطيل اللعب قبل أن يتفاقم الخطر. فبدلاً من انتظار خطأ مادي يُلزم الحكم بإشهار بطاقة أو احتساب ركلة جزاء قد تثير الجدل، يتدخل الحكم "وقائياً": احتساب خطأ وهمي في منتصف الملعب، توقيف الهجمة الواعدة بدواعي التسلل المبكر، أو توزيع بطاقات صفراء مجانية لتهدئة حماس الفائز.
إنها هندسة دقيقة للنتائج، تجعل من الصافرة أداة وقاية، ومن الحكم مهندساً للديكور العام للمباراة، حيث تخرج النتيجة النهائية مطابقة تماماً للمواصفات المعيارية المطلوبة.
وسط هذا التنظير الأكاديمي والتسويق الإعلامي المكثف لـ "التحكيم الوقائي"، يقف المدرج الكروي والجمهور المتابع حائراً ومحبَطاً؛ فالصورة لم تعد قابلة للرتم أو التجميل. لقد بات المشجع البسيط يدرك أن "الصافرة الوقائية" ليست سوى محاولة لامتصاص شغفه وحرمانه من اللذة الوحيدة للكرة: المفاجأة وتكافؤ الفرص.
لم يعد المتابع يحتاج لمراجعة شاشات الـ VAR ليتأكد من التحيز؛ بل أصبح يبتسم بسخرية مع كل صافرة تُحتسب في منتصف الملعب لقتل هجمة واعدة، أو كل بطاقة تُشهر لتهدئة "فورة" فريق مجتهد. التحكيم الوقائي بالنسبة للمشجع ليس سوى اسم برّاق لعملية سلب ناعمة لنتائج المباريات، تُشرعنها الاستوديوهات التحليلية وتصنع منها "حكمة إدارية".
وفي النهاية، تظل الحقيقة ثابتة: عندما يُصبح الحكَم مهندساً للسيناريوهات بدلاً من قاضٍ للعدالة، تحرم اللعبة من روحها، ويبقى الجمهور هو المتضرر الأكبر من هذا "الاكتشاف العظيم".

