على مدار تاريخه الطويل، لم يكن نادي الزمالك مجرد مؤسسة رياضية أو كيان تنافسي يجمع الملايين حول ساحة المستطيل الأخضر؛ بل كان حالة فريدة من العشق الجارف، ورمزاً وطريقاً عريضاً لثقافة الهوية الكروية التي تتنفس الفن والبهجة. ولطالما تغنى عشاق القلعة البيضاء بمقولة راسخة في وجدانهم: "أبناء الزمالك هم الأدرى بمصلحة النادي، وهم الحصن المنيع الذي يحميه من عواصف الأزمات". لكن، وكثيراً ما تقلب الأقدار الحقائق، وتتحول الشعارات الرنانة إلى معاول هدم صامتة، نكتشف اليوم أن أكبر طعنة تلقتها جدران هذا الصرح العريق لم تأتِ من الخصوم والمنافسين، بل أُسديت بسواعد وألسنة من أسموا أنفسهم يوماً "أبناء النادي الأوفياء".
لقد تحول مفهوم "أبناء الزمالك" للأسف الشديد، في محطات كثيرة من العقد الأخير، إلى مظلة مريحة لتمرير المصالح الشخصية، والبحث عن المكاسب الضيقة على حساب المصلحة العليا للكيان. وكأن النادي قد تحول في مفاهيم البعض إلى حقل تجارب دائم، أو تركة موروثة يجب اقتسام غنائمها، بغض النظر عن مدى تدمير الأساس الذي يقوم عليه البناء بأكمله.
ثقافة المصلحة الشخصية وصراع الكراسي
إن التتبع الدقيق لتاريخ أزمات الزمالك الإدارية والفنية يضعنا أمام حقيقة موجعة؛ فكثير من النجوم القدامى والرموز الذين ارتدوا قميص النادي، واعتلوا منصات التتويج بفضل شعاره، نسوا واجب الوفاء حين نادتهم الضرورة للوقوف صفاً واحداً خلف الكيان. بدلاً من ذلك، انخرطوا في معارك ضارية لا تنتهي على "الكراسي والمناصب"، وتحولت الاستوديوهات التحليلية، ومنصات التواصل الاجتماعي، وبرامج الحوارات الرياضية إلى منابر لتصفية الحسابات الشخصية.
حين تصبح المحاصرة الإعلامية والتجريح المتبادل بين أبناء الجيل الواحد أداة للبطولة الهزلية، فإن النادي يدفع الثمن باهظاً من استقراره وسمعته. فالاستقرار الإداري والفني لا يولد أبداً في بيئة يملؤها التشاحن والغيرة السلبية والحروب الخفية. لقد تفرغ الكثير ممن يُحتذى بهم لتصدير الأزمات واختلاقها، ليصدق عليهم حقاً وصف "أولاد من رماد"، أولئك الذين أكلوا نيران صراعاتهم كل ما تبقى من خضرة وهدوء في بيوت الزمالك.
السطوة الجماهيرية وتوظيف العاطفة
من أخطر الأدوار السلبية التي مارسها بعض محسوبي الزمالك هو "اللعب على عواطف الجيوش الجماهيرية". فالجماهير البيضاء، المعروفة بوفائها الأسطوري وإخلاصها المطلق الذي لا تبدله النتائج، كانت مراراً وتكراراً عرضة للاستغلال المنهجي. يتم إيهام الشارع الرياضي بأن هناك "مؤامرة كونية" تقاد ضد النادي، لكي تُبرر الفشلات الإدارية، وتُخفى الأخطاء الفادحة في التخطيط والتعاقدات.
استخدام الخطاب العاطفي والشعبوي من قِبل شخصيات تنتسب للزمالك أدى إلى خلق حالة من الاحتقان الدائم، وتوجيه بوصلة النادي بعيداً عن الاحترافية والتخطيط العلمي السليم. فكلما أخفق أحدهم في مهمة إدارية أو فنية، لجأ فوراً إلى العزف على وتر الانتماء والظلم التاريخي، ضارباً بعرض الحائط مصلحة الفريق الذي يفترض أنه يحمله في قلبه.
غياب المنهجية وبناء الكوادر الحقيقية
على صعيد العمل الفني والمؤسسي، ظهرت عيوب الاعتماد العشوائي على "أبناء النادي" دون معايير واضحة للكفاءة أو الجدارة. لطالما سادت قناعة خاطئة مفادها أن أي لاعب سابق يصلح بالضرورة ليكون مديراً فنياً، أو مديراً رياضياً، أو مسؤولاً عن قطاع الناشئين، لمجرد أنه ارتدى القميص الأبيض يوماً.
هذا الخلط المدمر بين "تاريخ اللاعب" و"كفاءة المسؤول" أدى إلى إهدار طائل للموارد المالية والبشرية. فالإدارة الحديثة وعلم التدريب لا يعترفان بالانتماء العاطفي وحدَه، بل يتطلبان علماً، وعلماً، وتخطيطاً استراتيجياً بعيد المدى. وحين تُمنح الفرص للمجاملات على حساب التخصص، فإن النتيجة الحتمية هي الانهيار المتسارع في النتائج، وغياب الهوية الفنية المعتادة للفريق.
نحو ثورة تصحيح حقيقية
إن إنقاذ الزمالك اليوم لا يتطلب فقط صفقات كبرى أو ضخ أموال مؤقتة، بل يستوجب ثورة فكرية وإدارية جذرية تبدأ من إعادة تعريف معيار الانتماء. الانتماء الحقيقي لا يُقاس بارتداء القميص في الماضي، ولا بالظهور المتكرر أمام الكاميرات لتصدير الشعارات الرنانة، بل يُقاس بالعمل الصامت، والتضحية بالمصلحة الشخصية في سبيل استقرار الكيان، ووضع الكفاءة العلمية فوق كل اعتبار عاطفي.
على جماهير الزمالك الواعية أن تدرك جيداً من يحب النادي بصدق ومن يتخذه مطية لتحقيق مكاسب شخصية. فالحب الحقيقي للكيان هو الذي يبنيه ويحميه، لا الذي يحيله رماداً تذروه رياح المصالح الشخصية والصراعات العبثية. آن الأوان لأن يعود الزمالك لأبنائه الحقيقيين؛ أولئك الذين يحملونه في أفعالهم لا في شعاراتهم، ليعود البناء شامخاً كما كان دائماً منارةً للرياضة المصرية والعربية.

