”أنا ابن نادي الزمالك.. عشت فيه طفلاً، ولعبت له شاباً، وخدمته مسؤولاً، وسأظل أحبه حتى آخر نفس.“
هكذا كانت عقيدة محمد يحيى الحرية إمام، المعروف بـ حمادة إمام، أحد أعظم من ارتدى القميص الأبيض، والضلع الأوسط في ″إمبراطورية آل إمام″ الكروية التي حكمت ميت عقبة لثلاثة أجيال: الجد يحيى، الابن حمادة، والحفيد حازم.
1. النشأة: وريث العرش الملكي (الميلاد والبداية)
ولد حمادة إمام في 28 نوفمبر 1943 في حي المنيرة بالقاهرة.
والده هو الكابتن يحيى إمام، حارس مرمى الزمالك ومنتخب مصر الأسطوري في الثلاثينيات والأربعينيات. ورث حمادة حب الزمالك بالجينات، فكان تواجده داخل النادي أمراً طبيعياً منذ نعومة أظافره.
بدأ مسيرته مع الزمالك بالانضمام لفريق الناشئين عام 1957، وسرعان ما لفت الأنظار بمهارته العالية وذكائه الفطري في الملعب، ليتم تصعيده للفريق الأول في عام 1958 وهو لم يكمل عامه السادس عشر.
2. المسيرة كلاعب: ميلاد ″الثعلب الكبير″
لم يكن حمادة إمام مجرد لاعب، بل كان ″ظاهرة″ فنية. تميز بذكاء ميداني خارق، وقدرة على التمركز والمراوغة في أضيق المساحات، مما دفع الناقد الكبير الراحل نجيب المستكاوي لإطلاق لقب ″الثعلب″ عليه.
تميز أسلوب لعب حمادة إمام بالأناقة الشديدة، التمريرات الحريرية، والأهداف الماكرة. لم يكن يعتمد على القوة البدنية بقدر اعتماده على المكر الكروي.
أشهر مبارياته كانت في عام 1966، عندما استضاف الزمالك فريق وست هام يونايتد الإنجليزي (الذي كان يضم بوبي مور وجيف هيرست أبطال كأس العالم). في تلك المباراة التاريخية، تألق حمادة إمام وسجل 3 أهداف (هاتريك) في فوز الزمالك الساحق (5-1)، وهي المباراة التي خلدت اسمه عالمياً.
البطولات:
قاد الزمالك للفوز بلقب الدوري العام مرتين (موسم 1959-1960، وموسم 1964-1965).
فاز بلقب كأس مصر 3 مرات.
كان أحد أهم أعمدة “جيل الستينيات” الذهبي في الزمالك بجانب (يكن حسين، رأفت عطية، عبده نصحي).
قرر الاعتزال وهو في قمة مجده عام 1974، مفضلاً أن يترك صورة ناصعة في أذهان الجماهير، لينهي مسيرة لم يرتدِ فيها سوى قميص الزمالك، ولم يحصل فيها على إنذار واحد لسوء السلوك، مما جعله رمزاً للأخلاق الرياضية.
3. المسيرة الإدارية: خادم الكيان
بعد الاعتزال، لم يغادر حمادة إمام بيته، بل تدرج في المناصب الإدارية ليخدم النادي من مقعد المسؤولية.
عمل مديراً للكرة، وعضواً بمجلس الإدارة في عدة دورات.
تولى منصب نائب رئيس النادي في فترة رئاسة الدكتور كمال درويش، وشهدت تلك الفترة (أوائل الألفية) عصراً ذهبياً للزمالك من حيث البطولات والألقاب.
شغل منصب وكيل الاتحاد المصري لكرة القدم.
4. ″صوت الكرة المصرية″: مسيرة التعليق
ارتبط صوت حمادة إمام بوجدان ملايين المصريين، حيث أصبح أشهر معلق رياضي في مصر لسنوات طويلة. تميز أسلوبه بالاحترام، الحيادية، والقفشات التلقائية التي لا تُنسى.
أشهر عباراته:
”يا ساتر.. يا ساتر“ (عند الهجمات الخطرة).
”وهوباااااا جوووول“ (عند تسجيل الأهداف).
”خش يا حازم“ (عندما كان يعلق على مباريات نجله حازم إمام، ولم يستطع إخفاء عاطفة الأب).
”الكورة لفت لفة جاتوه“.
5. توريث الموهبة: الأب والابن
أعظم إنجازات حمادة إمام الشخصية كانت إهداء الزمالك أسطورة أخرى، وهو نجله حازم إمام (الثعلب الصغير). كان حمادة إمام الأب والناصح، وشكّلا معاً ثنائياً محبوباً جداً؛ الأب بتاريخه ووقاره، والابن بمهارته وموهبته الفذة.
6. الرحيل الوداعي: يوم بكت فيه مصر
في يوم 9 يناير 2016، استيقظت مصر والوسط الرياضي على خبر صادم: وفاة الكابتن حمادة إمام عن عمر يناهز 72 عاماً بعد صراع قصير مع المرض.
شُيعت جنازته من داخل نادي الزمالك (بناءً على وصيته الضمنية بأن يخرج من بيته الأول).
احتشد الآلاف من جماهير الزمالك والأهلي، ورموز الدولة والرياضة، لوداع ″الثعلب″. تحول النادي إلى سرادق عزاء كبير، ونعاه رئاسة الجمهورية وجميع الأندية المصرية.
رحل حمادة إمام بجسده، لكنه ترك إرثاً من الاحترام والمبادئ، واسماً محفوراً بحروف من ذهب في تاريخ القلعة البيضاء، باعتباره رمزاً للانتماء الحقيقي الذي لا يتغير.
حمادة إمام ليس مجرد صفحة في تاريخ الزمالك، بل هو فصل كامل عنوانه الاحترام والموهبة. هو الذي ربط ماضي الزمالك (يحيى إمام) بمستقبله (حازم إمام)، ليظل اسم ″آل إمام″ علامة مسجلة في حب ميت عقبة.

